محمد الغزالي

138

خلق المسلم

ولا شك أن لقاء الأحداث ببصيرة مستنيرة واستعداد كامل أجدى على الإنسان ، وأدنى إلى إحكام شؤونه . قال تعالى : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ « 1 » . والصبر يعتمد على حقيقتين خطيرتين : أما الأولى فتتعلق بطبيعة الحياة الدنيا . فإن اللّه لم يجعلها دار جزاء وقرار . بل جعلها دار تمحيص وامتحان ، والفترة التي يقضيها المرء بها فترة تجارب متصلة الحلقات يخرج من امتحان ليدخل في امتحان آخر ، قد يغاير الأول مغايرة تامة ، أي أن الإنسان قد يمتحن بالشيء وضده ، مثلما يصهر الحديد في النار ثم يرمى في الماء ، وهكذا . وكان سليمان عالما بطبيعة الدنيا عندما رزق التمكن الهائل فيها فقال : هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ، لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ . وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ « 2 » . والابتلاء بالأحزان مبهم الأسباب ، ويحسن أن نفهم أن أوضاع الناس في الحياة كجيش عبّىء للقتال ، وقد تكلف بعض فرقه بالقتال حتى الموت ، لإنقاذ فرق أخرى . وإنقاذ الفرق الباقية يكون للقذف بها في معارك جديدة ، ترسمها القيادة حسبما توحي به المصلحة الكبرى . فتقدير فرد ما في هذه الغمار المائجة لا ينظر إليه ، لأن الأمر أوسع مدى من أن يرتبط بكيان فرد معين . كذلك قد يكتب القدر على البعض صنوفا من الابتلاء ربما انتهت بمصارعهم . وليس أمام الفرد إلا أن يستقبل البلاء الوافد بالصبر والتسليم . وما دامت الحياة امتحانا فلنكرس جهودنا للنجاح فيه . وامتحان الحياة ليس كلاما يكتب أو أقوالا توجه . إنها الآلام التي قد تقتحم النفس وتفتح إليها طريقا من الرعب والحرج . إنها النقائض التي تجعل الدنيا تتخم بطون الكلاب ، وتنيم صدّيقين على الطوى ، إنها المظالم التي تجعل قوما يدعون الألوهية ، وآخرين يستشهدون وهم يدافعون عن حقوقهم المنهوبة .

--> ( 1 ) آل عمران : 186 . ( 2 ) النمل : 40 .